Elghada's Blog

سبتمبر 2, 2018

روبرت فيسك : حياد لبنان يحميه من نفسه

روبرت فيسك : حياد لبنان يحميه من نفسه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيروت ـ في مواجهة الغزو المحتمل من بريطانيا وألمانيا في عام 1940 وعزمها على البقاء محايدة ، طلبت الحكومة الإيرلندية في دبلن من أحد كبار وزرائها المخضرمين فرانك أيكن صياغة مذكرة حول كيفية البقاء خارج الحرب العالمية الثانية. فكان أن كتب العبارة التالية ،”الحياد هو شكل من أشكال الحرب المحدودة” . كان الرد بليغاً بلا شك ولكنه قاتم.

بالطبع سيوافق اللبنانيون على الفور على مثل هذا القول . فطوال سبع سنوات ، كانوا يتوسلون ويصلوّن ويناقشون فيما بينهم سبل البقاء خارج أتون الحرب السورية المجاورة ، وتجاهل تهديدات إسرائيل ، والروابط الأخوية مع سورية ، وتحذيرات أمريكا ، وتوسلات روسيا ، وإغراءات إيران. أعتقد أنه يجب أن تكون موهوباً بشكل خاص لكي تتمكن من الابتسام في مواجهة ذلك أمام كل من حولك بشكل مبهج ، وبسيط ، وبشجاعة ، وبكرامة ، وبضجر ، ومن الإفلات في النهاية من كل ذلك .

قال لي صديق ونحن نشرب القهوة في بيروت هذا الأسبوع ،”عندما يبقى لبنان بلا حكومة لمدة شهر ، يكون اللوم في ذلك على اللبنانيين . ولكن عندما يبقى كذلك لمدة ثلاثة أشهر ، يكون اللوم في هذه الحالة على تدخلات الآخرين “. لقد كان لبنان عرضة للتهديدات الخارجية على مر العصور، لكن التهديدات الحالية تكاد تحصل بوتيرة يومية تقريباً حيث يتم محاولة احتواء لبنان من قبل سورية المنتصرة حديثاً ، والمهددة من قبل إسرائيل ، والمحذرة من قبل الأمريكيين ، والمحتضنة من قبل الروس ، ومن قبل الإيرانيين الذين يدفعون بسخاء ويسلحون ميليشيا حزب الله . وكل ذلك مع ديون خارجية بقيمة 80 مليار دولار ، و 1.5 مليون لاجئ سوري ، وتقنين للكهرباء كل يوم وبدون استثناء منذ عام 1975.

إنه درس في كيفية تعلم كيف تكون صغيراً وأن تبقى آمناً وتعيش في خوف. لقد تبنت حكومة الحريري لتسيير الأعمال سياسة “النأي بالنفس” عن الصراعات الإقليمية. وهذه السياسة هي شكل من أشكال سياسة الحياد ، حيث يدعي الجميع تقريباً من الأمريكيين إلى الإيرانيين والاتحاد الأوروبي أن لبنان الآن يعيش الآن متحد في حب وتآلف متبادل بين الطوائف ، وأن هذا الوضع يجعله في حال أفضل مما كان عليه أثناء الحرب الأهلية بين عامي 1975 و 1990. وبالطبع ، فإن الاتحاد الأوروبي يُبدد الأموال على لبنان السقيم والمفلس لأنه لا يريد المزيد من تدفق اللاجئين إلى بلدان القارة .

والحقيقة أن حياد لبنان يحميه من نفسه . ويتلقى السنة تمويلًا هائلًا من السعوديين ، الذين يكرهون الإيرانيين وحزب الله والشيعة اللبنانيين الذين يدعمونهم. ورئيس الوزراء اللبناني السني سعد الحريري يجب أن يكون يحب السعوديين لأنهم يدعمون رئاسته للوزارة ولأنه يحمل الجنسية السعودية. ويعتقد السعوديون في نفس الوقت أنه سيقوم بتنفيذ مطالبهم في لبنان . وقد يتذكر القراء خطف سعد الحريري بطريقة مهذبة في الرياض العام الماضي وظهوره أمام التلفزيون السعودي ليقدم “استقالته” من رئاسة الوزارة إلى أن أنقذه الرئيس الفرنسي ماكرون من براثن ولي العهد محمد بن سلمان ، ونقله خفيه إلى باريس حيث استأنف من هناك بشكل غامض رئاسته للوزارة . ويحمل الحريري جنسيات مختلفة من بينها الجنسية الفرنسية .

المسيحيون اللبنانيون ، كما هو الحال دائماً ، منقسمون في ما بينهم . فالرئيس ميشال عون لا يزال يؤيد الحكومة السورية ، والباقون يخشون من “تدخل” سوري آخر في لبنان. ويقول حزب الله أنه إذا ضربت إسرائيل إيران ، فإن الحرب بينها وبين إسرائيل سوف تستأنف في جنوب لبنان. وتهدد إسرائيل بدورها حزب الله ولبنان بشكل منتظم ـ وهو ما يشكل مصدر سعادة دائم للحزب . ولا يزال وليد جنبلاط ينتظر سقوط الحكومة السورية . حاول أن تشرح كل ذلك لدونالد ترامب. على كل حال ، وقبل عام واحد فقط ، أشاد ترامب هذا المعتوه بالحريري لأنّه يقف “في الصف الأمامي لمحاربة حزب الله” ، ولا يدري لسوء الحظ أن الحريري المسكين يجلس إلى جانب وزراء حزب الله في الحكومة اللبنانية.

وهكذا ، يواصل الأميركيون والسعوديون حثهم المستمر وغير المجدي للبنان على نزع سلاح حزب الله أو تفكيكه أو حتى دمجه مع الجيش اللبناني لكونه مسلح من قبل إيران ينبوع كل الشرور ، وعدو إسرائيل ينبوع الخير كله، وحليف الحكومة السورية ينبوع كل الحروب الكيماوية والتي لا تزال الادارة الأمريكية تريد من الناحية النظرية إسقاطها في الوقت الذي ترسل فيه الأسلحة إلى الجيش اللبناني. إلى جانب ذلك ، لن يهاجم أي جندي لبناني ـ على الأقل الشيعة منهم ـ أخوته وأخواته الشيعة في جنوب لبنان لمصلحة الأمريكيين والسعوديين والإسرائيليين.

إذن تستمر الادارة الأمريكية في دعم لبنان ولكن ضمن حدود معينة . فقبل شهرين فقط ، كان قائد الجيش اللبناني جوزيف عون في واشنطن لمناقشة “التعاون في مكافحة الإرهاب” ، بعد أشهر فقط من قيام الجيش اللبناني وحزب الله (“الإرهابيون” ، حسب وزارة الخارجية الأمريكية) بالمساعدة في طرد الإسلاميين من منطقة عرسال في شمال شرق لبنان. وقدم الأمريكيون للجيش اللبناني أربع طائرات هجومية خفيفة من طراز A-29 Super Tucano ، قوية بما يكفي لإطلاق النار على داعش ، ولكنها ضعيفة بما يكفي بحيث لا تشكل تهديداً لإسرائيل.

ويصل حجم المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة إلى لبنان حوالي 70 مليون دولار في العام ، مقارنة بمبلغ 47 مليار دولار على مدى 40 سنة إلى الجيش المصري ، الذي لا يستطيع حتى قمع نشاطات داعش الحالية في سيناء. وقد أوضح الأمريكيون بشكل لا لبس فيه بأن تدفق الأسلحة الأمريكية إلى لبنان سوف يتوقف في اللحظة التي يميل فيها اللبنانيون إلى العروض الإيرانية.

لقد عرض الإيرانيون على لبنان ، على الرغم من مع اقتصادهم المتهالك وتدني قيمة الريال ، المزيد من المال ـ من أين ، لا نعرف بالضبط – أكثر من الأمريكيين ، إلى جانب الأسلحة والمساعدات الزراعية والصناعية. وبعد الاتفاقيات العسكرية والدفاعية الجديدة مع سورية ، و “الدور الايجابي” الذي ستلعبه إيران في إعادة الإعمار في سورية بعد الحرب ـ كلمات وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي ـ ناهيك عن إعادة بناء المنشآت العسكرية السورية ، والقواعد الجوية والمدارس والمستشفيات ـ من ناحية المقارنة ، تشبه هذه القائمة من حيث الحجم خطة مارشال ـ يجب أن يكون هناك لدى الايرانيين بالتأكيد خلط بين الأموال والخيال.

ربما لن تصدق أن وزير الاقتصاد الإيراني قد تمت اقالته هذا الأسبوع بسبب انهيار العملة المحلية . وغني عن القول أن الروس يريدون حصتهم من عملية إعادة إعمار سورية ، وكذلك اللبنانيين الذين يُمكن أن يضيفهم المرء . لكن في لبنان ، يوجد لدى الروس فريق يعرض على الحكومة إعادة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى بلادهم بموجب ضمانات السلامة.

هذه بلا شك أخبار جيدة للرئيس عون ووزير خارجيته جبران باسيل ، الذي يكون بالصدفة صهره ، الذين يريدون التخلص من مخيمات اللاجئين السوريين في جميع أنحاء لبنان والمساعدة في عودة “التطبيع” مع سورية. لكن كان هناك الكثير من الاعتراضات من الأوروبيين والأمم المتحدة على ذلك لكونهم سيضطرون إلى المشاركة في ذلك ويريدون أولاً التأكد من أن اللاجئين لن يتم زجهم في السجون لحظة عبورهم للحدود ، وكما يريدون ، ربما أكثر من أي شيء آخر، تجنب “التطبيع” “مع الحكومة السورية الحالية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

في غضون ذلك ، يريد السوريون استئناف الروابط “الأخوية” السابقة مع لبنان وهم غير صبورين على مقاومة اللبنانيون لذلك وخصوصاً الحريري. وتقوم سورية بتزويد لبنان بالكهرباء على الرغم من ساعات التقنين الطويلة في سورية نفسها ، وشعر اللبنانيون بالسرور لسماع أخبار استعادة سورية السيطرة على معبر نصيب على الحدود السورية الأردنية الذي يشكل المعبر البري الوحيد للصادرات اللبنانية إلى الأردن والخليج.

ولكن كان هناك تصريح بعثي مناسب أدلى به سفير سورية في لبنان هذا الأسبوع علي عبد الكريم علي قال فيه مشيراً إلى لبنان أن “الأعداء يبحثون الآن عن مخارج للنزول عن المكابرة . وبالتالي ماذا عن البلد الشقيق الذي تقع كل حدوده البرية مع سورية ، بالإضافة إلى فلسطين المحتلة؟”. وأضاف قائلاً أن “سورية طبعاً تحتاج لبنان ولكن لبنان يحتاجها أكثر “.

ثم جاءت تقارير ـ غير مؤكدة ولكنها مؤلمة لمعسكر الحريري المؤيد للسعودية ـ أنه في الوقت الذي يستطيع فيه اللاجئون العائدون استخدام معبر نصيب الحدودي ، فإنه لن يكن مفتوحاً بعد أمام الشاحنات اللبنانية التي تنقل صادرات لبنان من الخضر والفاكهة. وزمجر الحريري قائلاً ” هذا ابتزاز “. و كان الأكثر إثارة للبنانيين صورة تظهر الشرطة العسكرية الروسية بالإضافة إلى القوات السورية عند المعبر .

إذا كان لبنان بالفعل بحاجة إلى سورية أكثر من حاجة سورية إلى لبنان ، أفترض أن لبنان بحاجة إلى أمريكا أكثر من حاجة أمريكا إلى لبنان ، لكن من المؤكد أن إيران بحاجة إلى لبنان أكثر من حاجة لبنان إليها وهذا واضح تماماً . ويحتاج السعوديون إلى لبنان ، لأنهم يستطيعون استخدام الحريري كرأس حربة للسنة ضدّ محور حزب الله الشيعيّ السوريّ ،وبالتالي إلحاق الأذى بإيران الشيعية.

ويحتاج اللبنانيون ، مع ديونهم البالغة 80 مليار دولار نتيجة لسياسات ، و يا للمفارقة هنا ، رفيق الحريري الذي اغتيل في العام 2004 ، إلى السعوديين. ولكن ماذا عن روسيا ؟حسناً . من المؤكد أن أسطولها يبحر من مدينة طرطوس الساحلية السورية ولا يحتاج إلى أحد.

ربما كان الوزير الإيرلندي فرانك أيكن المخضرم في حرب الاستقلال والحرب الأهلية الايرلندية في عام 1940 على حق عندما قال ” الحياد هو شكل من أشكال الحرب المحدودة “. صحيفة الانديبندنت . 31-8-2018
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
https://www.independent.co.uk/voices/lebanon-syria-middle-east-robert-fisk-saudi-iranian-western-interests-precarious-position-a8514891.html

اكتب تعليقُا »

لا توجد تعليقات حتى الأن.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: