Elghada's Blog

أغسطس 30, 2018

يوشكا فيشر : هل تتحول تركيا من جديد إلى رجل أوروبا المريض؟

يوشكا فيشر : هل تتحول تركيا من جديد إلى رجل أوروبا المريض؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما خرجت الجمهورية التركية من حطام الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ، كان طموحها الوطني هو الانضمام إلى أوروبا كدولة حديثة علمانية. لكن بعد الكثير من التقدم نحو التحديث ، يبدد الرئيس رجب أردوغان الآن فرصة تركيا في تحقيق رؤية مؤسسها.
برلين ـ كانت إحدى القضايا الجيوسياسية الكبيرة في أوروبا في القرن التاسع عشر هي ما يسمى “المسألة الشرقية”. كانت الإمبراطورية العثمانية ، التي كانت تعرف آنذاك باسم “رجل أوروبا المريض” ، تتفكك بسرعة ، وبقي العالم في انتظار رؤية القوة الأوروبية الجديدة التي ستحل محلها. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في النهاية ، لم يكن من قبيل المصادفة أنها بدأت من البلقان ، الملعب الجيوسياسي للإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية والروسية.
لقد زالت هذه الإمبراطوريات الثلاث الكبرى بعد الحرب. وأثناء تقسيم الحلفاء للإمبراطورية العثمانية ، انسحب الجنرال مصطفى أتاتورك والجيش التركي المهزوم إلى الأناضول ، حيث نجحوا في صدّ التدخل اليوناني ، ثم رفضوا معاهدة سيفر التي جاءت بعدها معاهدة لوزان التي مهدت الطريق لإنشاء جمهورية تركيا.
كان طموح أتاتورك هو تحويل تركيا إلى دولة علمانية حديثة تنتمي إلى أوروبا والغرب ، وليس إلى الشرق الأوسط. ولتحقيق هذا الهدف ، حكم بشكل استبدادي ، وأنشأ دولة مختلطة تعتمد على حكم عسكري فعلي وديمقراطية متعددة الأحزاب. وأنتج هذا الترتيب على مدار القرن العشرين أزمات متكررة تراجعت فيها الديمقراطية التركية مراراً وتكراراً عن طريق الديكتاتوريات العسكرية المؤقتة.
وبعد عام 1947 ، تأثرت السياسة التركية بشكل كبير بالحرب الباردة. وفي عام 1952 ، انضمت تركيا إلى حلف الناتو وأصبحت واحدة من حلفاء الغرب الذين لا غنى عنهم. ولعقود ، استعملت تركيا موقعها الاستراتيجي بين شرق البحر المتوسط والبحر الأسود لحماية الجناح الجنوبي للحلف ضد التعديات السوفيتية.
ومع ذلك ، ظلت تركيا كياناً سياسياً غير مستقر. وأوقف التذبذب المستمر بين الديمقراطية والحكم العسكري معظم تقدم البلاد نحو التحديث. وبالنسبة إلى أنصار الديمقراطية في تركيا ، فإن أفضل أمل للبلاد يقع على عاتق أوروبا. إن الانضمام الرسمي إلى الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يُشير إلى الانتهاء من عملية التحديث في تركيا. وفي حين أن العثمانيين حافظوا على الهيمنة في الشرق الأوسط لمدة قرن ، فإن تركيا الآن ستصبح عضواً كامل الأهلية في الغرب.
وفي عام 1995 ، دخلت تركيا في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي. وبحلول الوقت الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة في عام 2002 ، بدا أن البلاد توجه نفسها نحو أوروبا بشكل نهائي. وقد سعت حكومات حزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الوزراء آنذاك رجب أردوغان، وبالشراكة مع حركة رجل الدين الإسلامي فتح الله غولن إلى تحقيق إصلاحات مؤسسية واقتصادية وقضائية بعيدة المدى ، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام ، وهو شرط أساسي مسبق لعضوية الاتحاد الأوروبي.
وعلاوة على ذلك ، شهدت تركيا ، خلال السنوات الأولى من رئاسة أردوغان ، تحديثاً سريعاً ونمواً اقتصادياً قوياً ، مما جعلها أقرب إلى الاتحاد الأوروبي. وبحلول عام 2011 ، عندما وصل الربيع العربي ، جرى التبشير بتركيا وبحق بأنها نموذج ناجح يُحتذى لـ “الديمقراطية الإسلامية”، حيث تم الجمع بين انتخابات حرة ونزيهة مع حكم القانون واقتصاد السوق.
وبعد سبع سنوات ، يبدو أننا في عالم مختلف تماماً. تركيا تستعيد بسرعة لقبها “رجل أوروبا المريض”. ونظراً لموقعها الاستراتيجي وإمكاناتها الاقتصادية والبشرية ، يجب على تركيا أن تتحرك نحو مستقبل مشرق في القرن الحادي والعشرين. وبدلاً من ذلك ، تسير إلى الوراء نحو القرن التاسع عشر تحت راية القومية وإعادة التوجه نحو الشرق. فبدلاً من احتضان الحداثة الغربية، فإنها تراهن على الشرق الأوسط والأزمات الدائمة فيه.
ترأس أردوغان ، الذي تولى الرئاسة في عام 2014 ، التحديث السريع في تركيا والتراجع السريع على قدم المساواة. كانت لديه الفرصة لمتابعة خطى أتاتورك واستكمال مهمة دمج تركيا في الغرب ، لكنه فشل في ذلك.
ما الذي يُفسر هذه المأساة؟ أحد الاحتمالات هو أن أردوغان أصابه إفراط في الثقة خلال فترة الازدهار التي سبقت الأزمة المالية عام 2008. والاحتمال الثاني هو أنه قد استاء من الغرب من جراء الإهانة بسبب المماطلة في عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي ، وبسبب طموحاته السلطوية الخاصة التي سعى إليها في النهاية بجدية بعد الانقلاب العسكري الفاشل في صيف عام 2016.
على أية حال ، أهدر أردوغان فرصة فريدة لكل من تركيا والعالم الإسلامي بشكل عام. إن بلده يُعاني الآن من أزمة الليرة التركية التي هي في الحقيقة من صنعه ، وقد يواجه حتى احتمال الإفلاس الوطني. وبينما يوزع بشكل متزايد ولاءاته بين الشرق والغرب ، فإنه يخاطر بزعزعة استقرار الشرق الأوسط إلى أبعد من ذلك. لقد اندلعت الصراعات العرقية الداخلية في تركيا ـ لا سيما مع الأكراد ـ مرة أخرى بكل قوة رغم أن التجارب السابقة تظهر أنه لا يُمكن حلها عسكرياً. وبفضل أردوغان ، أصبحت تركيا الآن جزءاً من المشكلة في المنطقة ، وليس الحل.
ومع ذلك تبقى تركيا بلد ذو أهمية استراتيجية لأوروبا. فالملايين من مواطني الاتحاد الأوروبي هم من أصل تركي ، وسوف تواصل تركيا سد الفجوة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. وفي ظل حكم أردوغان ، لم تعد تركيا مرشحة محتملة لعضوية الاتحاد الأوروبي. ولكن بدلاً من قطع عملية الانضمام ، يجب على الاتحاد الأوروبي التركيز على استقرار تركيا وإنقاذ ديمقراطيتها.
وبالرغم من كل ذلك ، تبقى تركيا غير المستقرة هي آخر شيء تحتاجه أوروبا. وبغض النظر عن التعاطف أو عدم التعاطف مع أردوغان ، فإن أمن أوروبا يعتمد بشكل كبير على تركيا التي استوعبت ملايين المهاجرين واللاجئين الفارين من الصراعات في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. ومن أجل الاستقرار الأوروبي والديمقراطية التركية ، يجب على الاتحاد الأوروبي مواجهة أزمة تركيا بالصبر والبراغماتية استناداً إلى مبادئها الديمقراطية الخاصة. بروجيكت سينديكت . يوشكا فيشر . 29-8-2018
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
https://www.project-syndicate.org/commentary/turkey-sick-man-of-europe-by-joschka-fischer-2018-08

اكتب تعليقُا »

لا توجد تعليقات حتى الأن.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: