Elghada's Blog

فبراير 26, 2015

تحليل أخباري في مجلة فورين بوليسي : غــزاة الضريـــح .

كانت قصة حيرت العديد خارج تركيا في مغزاها وتوقيتها . ففي ليلة 21 شباط قامت قوة عسكرية تركية باجتياز الحدود السورية لإخلاء 38 جندي تركي محاصرين من قبل قوات الدولة الإسلامية . فماذا كان يعمل هؤلاء داخل سورية ؟ كانوا يقومون بحراسة مقبرة تضم ضريح سليمان شاه ، جد مؤسس الإمبراطورية العثمانية ، والذي يُعتبر بسبب ذلك شخصية ذات أهمية عاطفية كبيرة للقوميين الأتراك في العصر الحديث . وكانت تركيا قد اجرت مفاوضات في عام 1921 مع سلطة الاحتلال الفرنسي لسورية آنذاك انتهت بتوقيع معاهدة تقضي بأن تبقى المقبرة تحت سيادة تركيا .

 ومع ذلك ، أصبح هؤلاء الجنود في الآونة الأخيرة في وضع لا يمكن الدفاع عنهم على نحو متزايد ، ولذلك تقرر إخلائهم ، ونقل رفات سليمان شاه في نفس الوقت إلى مكان آخر . ولضمان عدم معرفة مقاتلي الدولة الإسلامية بهذا القرار وبما سيجري ، أرسل الجيش قـوة مؤللة قوامها 572 جندي ، ترافقها 39 دبابة ، و57 عربة مدرعة ، و100 عربة أخرى .

 عمدت القوة إلى هدم الضريح لمنع وقوعه في أيدي مقاتلي الدولة الاسلامية بعد أن قامت بنقل رفات سليمان شاه إلى ضريح مؤقت في ثكنة في مدينة أورفه ريثما يُجّهز الضريح الجديد في قرية أشمة السورية جنوب مدينة كوباني ، وكأن هذه الملحمة المرعبة في حاجة إلى فصل جديد . قتل في العملية التي جرت في الليل جندي واحد بطريق  الخطأ .

أدانت الحكومة السورية العملية بوصفها عمل من أعمال ” العدوان السافر”، لأن الأتراك لم يتشاوروا معها قبل القيام بهذه الخطوة . وأعلن السوريون ، الذين يتهمون أنقرة عادة بدعم الدولة الإسلامية ، أن الغارة قدمت دليلاً إضافياً على ” عمق الروابط القائمة بين الحكومة التركية ” والجهاديين .

الرئيس أردوغان ووسائل الإعلام الموالية للحكومة أشارت إلى أن العملية تمت بنجاح منقطع النظير. لكن أحزاب المعارضة انتقدت بشدة الحكومة بتهمة ” التخلي عن” الأراضي التركية الوحيدة خارج حدودها . وقال غورسيل تكين ، مسؤول في حزب الشعب الجمهوري ، في مؤتمر صحفي عقده يوم الأحد ” للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية ، فقدنا جزءاً من وطننا حتى دون قتال ” . كما انتقد أيضاً جمال عـدن ، نائب رئيس حزب الحركة القومية ، الحكومة لجعلها تركيا ” تبدو ضعيفة في المنطقة ” .

وجاء رد رئيس الوزراء أحمد داود أوغلوا سريعاً حيث هاجم المعارضة لمحاولتها النيل من أهمية ” ليلة الشرف” ، واصفاً تعليقاتها الانتقادية بأنها تشكل “علامات سوداء ستسجل في صفحات التاريخ ” .

ويبدو أن الأتراك أنفسهم منقسمون حول العملية بشكل متساوي . فما أن تم الاعلان عن العملية حتى بدأ الجدل عبر بث حي في وسائل الاعلام ، ووسائط التواصل الاجتماعي المختلفة . وقام بعض المعلقين بتشبيه العملية بأزمة الرهائن التي انتهت قبل بضعة أشهر بتحرير 46 من الأتراك كانوا في قبضة قوات الدولة الإسلامية ، وربما مقابل الإفراج عن سجناء للدولة الإسلامية كانت تحتجزهم السلطات التركية .

 وربط المتعاطفون مع الحكومة مصير الرهائن ، الذين عادوا أخيراً في سلام وأمان إلى تركيا بعد ثلاثة أشهر في الأسر، مع إجلاء الجنود المتمركزين لحراسة الضريح الذي ، كما قيل ، كان من الممكن أن يقع في نهاية المطاف في أيدي الدولة الإسلامية إذا لم يتم نقله إلى مكان آخر. في حين يصر النقاد في الوقت نفسه أن تركيا قد قامت بـ “تراجع” مهين .

وبينما يستمر الأتراك في لعبة القاء اللوم على بعضهم البعض ، تساءل الكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الانديبندنت حول مغزى توقيت العملية مشيراً إلى أن أنقرة لم تبد أي رد فعل على الإطلاق في العام الماضي عندما هددت الدولة الإسلامية بمهاجمة الضريح ، وملمحاً في الوقت نفسه إلى أنه قد يكون تم التوصل يومها إلى صفقة تقضي ربما بالسماح لخبراء نفط أتراك بمساعدة الدولة الإسلامية مقابل سلامة الضريح .

ولكن من بين كل المسائل الشائكة ، يبقى أكثرها جدلاً مسألة إلى أي مدى ساعدت القوات الكردية في تنفيذ عملية الضريح . فقد نفى إبراهيم كالين ، المتحدث باسم الرئيس أردوغان ، المزاعم بأن الأتراك تلقوا مساعدة من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري ، واصفاً الحزب بمنظمة ارهابية . وفي مؤتمر صحفي عقده يوم الاثنين ، قال كالين أن تركيا أعلمت حلفائها بالعملية وأخطرت أيضاً الحكومة السورية . لكنه رفض بشدة المزاعم بأن تركيا تصرفت بالتنسيق الوثيق مع السلطات الكردية المحلية .

وعلى الرغم من استمرار المسؤولين الأتراك في إنكار الشائعات حول هذا التعاون ، فإن الأكراد يقولون أشياء أخرى مختلفة . فقد قال النائب الكردي حسيب قبلان عن حزب الشعب الديموقراطي أن عملية الضريح هي المرة الأولى في تاريخ الأكراد التي يقومون فيها مع الأتراك بعملية مشتركة . مراد قره يلان ، القائد العسكري لحزب العمال الكردستاني المحظور، أصر على أن العملية تمت بموافقة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري ، الذي هو في الواقع تابع لحزب العمال الكردستاني ، مضيفاً أن تركيا قد توصلت أيضاً إلى اتفاق مع الدولة الإسلامية قبل تنفيذ العملية لمنع وقوع مشاكل محتملة .

وقال قره يلان رداً على سؤال حول نفي السلطات التركية بكل جهدها لذلك ، ” في هذه الحالة كيف كان من الممكن أن تدخل القوات التركية منطقة حرب وتقوم بتنفيذ العملية دون اطلاق رصاصة واحدة ؟ أنتم قمتم بالتوغل لمسافة 33 كم عبر كوباني . وقامت قوات الأمن الكردية هناك بمرافقتكم وتقديم المساعدة لكم “.

هنا نجد مفارقة كبيرة . فقبل بضعة أشهر كان الرئيس أردوغان يصف حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية لا يمكن تمييزها تقريباً عن الدولة الإسلامية . وكان ذلك هو مبرر رفضه السماح للقوات التابعة لحزب العمال الكردستاني عبور الأراضي التركية للمساعدة في الدفاع عن كوباني ضد المهاجمين من الدولة الإسلامية . واليوم نرى أن تركيا أرسلت قواتها عبر كوباني لإجلاء القوة التي كانت تحرس الضريح ، وتقوم الآن بإنشاء موقع جديد له في قرية أشمة السورية التي يسيطر عليها الأكراد . يبدو أن الأكراد ليسوا أعداء لنا تماماً كما يريدنا أردوغان أن نعتقـد .

وفي الوقت نفسه ، فإن جميع المناقشات الساخنة بين الأتراك تفتقد نقطة جوهرية . فبعد سنوات من الهمهمة والتلعثم ، وقعّت أنقرة وواشنطن مؤخراً اتفاقية لتدريب وتجهيز بشكل مشترك الآلاف من المعارضة السورية المعتدلة . وهذا في الواقع يمكن أن يجعل الجنود الذين يحرسون الضريح أهدافاً رئيسية للانتقام ، وبالتالي فإن إجلائهم يمكن أيضاً أن يُنظر إليه باعتباره جزءاَ من الاستعدادات في تركيا لمرحلة جديدة من المواجهة مع الدولة الإسلامية .

والآن ، بعد أن تم نقل الرفات وتحويل مكان الضريح ، واصبح الجنود الذين كانوا يقومون على حراسته في سلام وأمان ، فإن تركيا ربما سوف لا تتردد في تقديم الدعم الفعال للتحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية ، وربما حتى في اتخاذ تدابير ضد خلايا نائمة داخل تركيا في نفس الوقت . وإذا ما نظرنا إلى الحدث في ضوء ذلك ، نرى أن عملية الضريح لا تعد انتصار ولا فشل ذريع في نفس الوقت . كانت العملية مجرد ضرورة لا بد منها .  ترجمة : محمد نجدة شهيد .

الصحفية التركية بيريفان أوروتش أوغلوا . 24-2-2015

الرابـــط : http://foreignpolicy.com/2015/02/24/turkeys-tomb-raiders

اكتب تعليقُا »

لا يوجد تعليقات.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.

%d مدونون معجبون بهذه: