Elghada's Blog

نوفمبر 18, 2014

يوشكا فيشر | الرابحون والخاسرون الجدد في الشرق الأوسط .

بـرليـن ـــ يقول الفيلسوف اليوناني هيرقليطس أن الحرب هي أم كل الأشياء . وإذا ما نظرنا إلى الأحداث الدامية ، الهمجية في الواقع ، الجارية في الشرق الأوسط ، وعلى وجه الخصوص في العراق وسورية ، نجـد أن المرء قد يميل إلى أن يتفق مع هـذا القول على الرغم من أن مثل هـذه الأفكار لم يعد لها مكان ، في ما يبدو، في عالمنا المعاصر .

إن الانتصارات العسكرية التي يحققها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية تغذي كارثة إنسانية تتصاعد حدتها باستمرار. تطيح بالتحالفات القائمة في المنطقة وتجعلها في حالة من الفوضى ، وتثير حتى التساؤلات حول مسألة الحدود الوطنية القائمة حالياً . ويبدو أن هناك شرق أوسط جديد في طور التشكل ، شرق أوسط يختلف بالفعل عن النظام القديم من ناحيتين هامتين : تعاظم دور الأكراد وإيران ، وتقلص نفوذ القوى السنية في المنطقة .

ويواجه الشرق الأوسط ليس فقط احتمال انتصار القوة التي تسعى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال القتل الجماعي والاستعباد مثلما حدث للنساء والفتيات اليزيديات على سبيل المثال . فما أصبح واضحاً أيضاً هو انهيار النظام القديم في المنطقة الذي ظل بشكل أو بآخر بدون تغيير منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ، وما رافق ذلك الانهيار من تراجع نفوذ القوى التقليدية التي كانت تحافظ على الاستقرار في المنطقة .

إن الضعف السياسي لتلك القوى التقليدية ، سواء العالمية منها مثل الولايات المتحدة أو الإقليمية مثل تركيا وإيران والسعودية ، أدى إلى تراجع ملحوظ في قوة ديناميكية المنطقة . وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يزالان يصنفان حزب العمال الكردستاني المؤيد لإقامة دولة كردية مستقلة كمنظمة إرهابية ، فإن مقاتلي هـذا الحزب ، على ما يبدو ، هم وحدهم دون غيرهم الراغبين والقادرين على وقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية . ونتيجة لذلك ، اصبح مصير الأكراد يثير نقاشاً حامياً في تركيا .

ونظراً لكون تركيا عضو في حلف الناتو ، فإن أي انتهاك لسلامتها الإقليمية يمكن أن يؤدي بسهولة إلى تفعيل بند الدفاع المشترك للحلف . وسوف يكون لا محالة للمسألة الكردية تداعيات عديدة أهمها احتمال نشوب صراع أوسع بكثير لأن الدولة الناشئة من شأنها أيضاً أن تهدد وحدة أراضي سورية والعراق ، وربما إيران .

 الأكراد يكسبون شرعية جديدة

إن قيام الأكراد بالقتال للدفاع عن أنفسهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية قد أكسبهم شرعية جديدة . وبمجرد انتهاء القتال ، فإنهم ببساطة لن ينسوا طموحاتهم الوطنية ، أو التهديدات المصيرية التي واجهوها . ومما لا شك فيه ، فإن وحدة الأكراد والشجاعة التي أظهروها في القتال ليست فقط هي التي رفعت من شأنهم ومكانتهم .  فقد اصبحوا على نحو متزايد بمثابة مرساة للاستقرار وشريك موثوق موالي للغرب في منطقة تفتقر للأمرين معاً .

وهـذا ما يجعل الغرب يواجه في الوقت الراهن المشكلة التالية : طالما أن الغرب يتردد في ارسال قوات برية في حرب يعلم أنه لا يملك أن يخسرها ، فسوف يتعين عليه في هـذه الحالة أن يقوم بتزويد لأكراد بالأسلحة المتطورة ، ولا ينطبق ذلك فقط على قوات البشمركة في شمال العراق بل ينسحب أيضاً على المجموعات الكردية الأخرى . وهـذا بالطبع لا يلائم تركيا بشكل كبير، أو إيران على الأرجح . ولذلك نرى أن حل المسألة الكردية سوف يتطلب استثماراً كبيراً من المهارة الدبلوماسية ومن الالتزام من قبل الغرب ، والمجتمع الدولي ، والدول المعنية .

 إيران الرابح الأكبر في المنطقة

ولكن قد يظهر في المطاف الأخير أن الرابح الأكبر في المنطقة يمكن أن تكون إيران التي اكتسب نفوذها في العراق وأفغانستان دفعة قوية من جراء سياسة الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش . إن تعاون إيران بلا شك ضروري لإيجاد حلول مستقرة في العراق وسورية خاصة وأن هـذا البلد يلعب أيضاً دوراً مهماً في الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني ، وفي لبنان .

ومن المستحيل تجاوز إيران اثناء رحلة البحث عن حلول لأزمات لا تعد ولا تحصى في المنطقة . في الواقع ، فإن مجرد حصول تعاون محدود بين الولايات المتحدة وإيران ، يقتصر على الجانب العسكري في القتال الجاري حالياً ضد تنظيم الدولة الإسلامية ، لم يعد يبدو أمراُ غير مطروح للنقاش حالياً .

ومع ذلك ، فإن المسألة الاستراتيجية الرئيسية في المنطقة لن يتم حلها في ساحات القتال ، ولكن في المفاوضات المختلفة حول البرنامج النووي الايراني . وإذا أمكن التوصل إلى حل وسط ، أو حتى إلى تمديد قصير الأجل للاتفاق الحالي المؤقت مع احتمال واقعي للتوصل إلى الاتفاق النهائي ، فسوف يصبح دور إيران الإقليمي الواسع أقوى وأكثر ايجابية على حد سواء . ولكن هـذه النتيجة لا تزال غير مؤكدة إلى حد كبير.

 وهـذه القضية النووية تقحم معها سؤال آخر خفي ومهم وهـو علاقة إيران مع إسرائيل التي يقف على حدودها الشمالية مع لبنان حزب الله ، أقرب شريك لإيران في المنطقة . ويبقى هـذا الحزب ملتزم بتدمير اسرائيل ، وتقوم ايران بتزويده بالأسلحة الفتاكة . وهنا أيضاً ، للأسف ، ليس من المتوقع حدوث أي تغيير كبير.

إن الأمر الواضح هنا بالتأكيد يتعلق بشرق أوسط جديد : شرق أوسط يكون فيه وجود أكبر للشيعة ولإيران وللأكراد مما يجعل من إمكانية التوصل إلى حل وسط أكثر تعقيداً . ومن البديهي في هـذه الحالة أيضاً أن تصبح التحالفات القديمة الظاهرة للعيان ، وحتى الصراعات القائمة ، ليست كما كانت في الماضي حتى ولو استمرت .

 ومهما يكن ، يُمكن للمرء القول أن الشرق الأوسط سيبقى برميل بارود يهدد السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين . وسيكون من الصعب تحقيق الاستقرار في المنطقة الذي يشكل حيزاً كبيراً من الاهتمام العالمي . وإذا ما تحقق ذلك الاستقرار فسيكون فقط من خلال مزيج معقد من الوسائل العسكرية  الدبلوماسية . وهـذا لن يكون في مقدور أي قوة عالمية تحقيقه بمفردها . بروجيـكـت سنديكـيت . الثلاثـاء 4-11-2014 .  ترجمة : محمد نجدة شهيد .

الرابط | http://www.project-syndicate.org/commentary/iran-kurds-middle-east-regional-influence-by-joschka-fischer-2014-11

 

اكتب تعليقُا »

لا يوجد تعليقات.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.

%d مدونون معجبون بهذه: