Elghada's Blog

يوليو 8, 2014

الانديبندنت | معـركة فـردان .

تاريخ الحرب العالمية الأولى في لحظات .. كانت فردان أكبر معركة شهدها العالم . ثلاثمائة ألف جندي مُحيت آثارهم بعد أن اُمطروا بوابل من قذائف المدفعية . معركة اصبحت مرادفة للعبث والتحدي البطولي . الصحفي جون ليتشفيلد مراسل الصحيفة في باريس يكتب عن جحيم تميز بولادة عصر الحروب بأسلحة الدمار الشامل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفي يوم 21 شباط 1916 ، كانت قذائف المدفعية الألمانية تنهمر من مسارات عالية فوق سلسلة تلال مشجرة على بلدة فردان شرق فرنسا . وعلى مدى الأشهر العشرة المقبلة ، وعلى الأخص طيلة الأشهر الأربعة الأولى منها ، تم تقطيع أوصال هذه التلال بعد أن حرثتها 32 مليون قذيفة . وفي بعض   الأماكن ، كما جرى تقدير ذلك في وقت لاحق ، سقطت 10 قذائف في كل سنتيمتر مربع .

 2- وفي نهاية المعركة التي كانت أطول معركة في تاريخ البشرية ، لقي أكثر من 300 ألف جندي فرنسي وألماني حتفهم وهم يتقاتلون في بقعة صغيرة من الأرض استعر فيها القتل كأنها الجحيم لا تتجاوز مساحتها 50 ميل مربع . ولا يزال معظم هؤلاء الجنود هناك بعد أن اختلطت بقاياهم في رمال وتربة غرب اللورين الكلسية .

3- وعندما انتهى القتال في كانون الأول 1916 ، كان الجيشان يقفان على بعد بضع مئات من الأمتار من المكان الذي كانا فيه عند بدايته . وبالنسبة للفرنسيين ، فإن اسم ” فردان ” لا يزال يرمز إلى عدم جدوى سفك الدماء ، وإلى شجاعة المحاربين التي تحقق المحال . ومع ذلك كانت فردان أقل تدميراً من السوم ، وأقل تكلفة للفرنسيين من المعارك الهجومية المنسية إلى حد كبير والتي اتصفت بالحمق في عام 1915 .

4- لقد استقرت معركة فردان في عمق الذاكرة الشعبية الفرنسية لكونها تشكل ” نصر” في حرب دفاعية كانت فيها الانتصارات شحيحة رغم سقوط 170 ألف ضحية من الفرنسيين . يقول المؤرخ الفرنسي جان إيف لو ناعور ” جرى تبديل كل أفواج الجيش الفرنسي بالتناوب داخل وخارج فردان . وبدا كأن دماء الأمة كلها تجري من خلال ساحة معركة واحدة ” . وعمل شعار التحدي الذي يُنسب للمارشال بيتان ” لن يمروا ” على تغذية أسطورة بطولية تتناقلها الأجيال .

5- هناك بالطبع سبب آخر لماذا يسفع إسم ” فردان ” الذاكرة البشرية . يقول ناعور ” لقد بدأ منطق هيروشيما في فردان . لقد كان في فردان أن فكرة تصنيع اسلحة الدمار الشامل دُفعت إلى الحد الأقصى لها لأول مرة ” . في فردان ــــ و إعتباراً من 1 تموز من ذلك العام في السوم ــــ  كانت قوة النيران ، والبراعة وراء ذلك ، قد تجاوزت حتى ما رأيناه في حملات القتل عام 1914 و 1915 . وفي كلتا المعركتين فردان والسوم ، تم حشد بطاريات مدفعية من قبل الألمان ، ومن قبل الفرنسيين والبريطانيين في وقت لاحق ، على نطاق واسع لا يُمكن تخيله . وانضم سلاح قاذفات اللهب في فردان ، والدبابات في السوم ، وأنواع أكثر فتكاً من الغازات السامة ، في فردان والسوم على حد سواء ، إلى ترسانة العالم لإرتكاب المجاز الجماعية .

  6- يقول ريتشارد هولمز ، المؤرخ البريطاني الكبير لمعارك الجبهة الغربية ، كان هناك ” شيئاً مروعاً بشكل خاص” ــــ الرعب الذي يملأ الصدور من صغر حجم ساحة معركة فردان ” كانت الجبهة ضيقة  للغاية ، أقل من 15 ميل ، والرجال يُمكن أن يموتوا على الفور بدون جروح ظاهره بسبب الارتجاج ، ويتمزقوا إلى أشلاء بفعل الإصابة بضربات مباشرة ، وتتقطع أجسادهم كما لو كان ذلك بفعل جزارين أشرار، أو يُصابوا بالشلل بسبب الأطراف المتطايرة من أجساد رفاقهم ، أو بالصدمة لدرجة الهذيان بفعل ضربة طائشة تتركهم  بدون خدوش بين بقايا أشلاء رفاقهم ” .

7- وقد ترك ضابط فرنسي مجهول روايته عن الأيام الأولى من القتال ، وكتب يقول ” آلاف القذائف تتطاير في كل الاتجاهات يصدر عن بعضها صفير والبعض الآخر عويل والبعض الآخر يئن بشكل منخفض ، ويجمع بينها هدير جهنمي واحد . ويمر من وقت لآخر طوربيد جوي يصدر عنه ضوضاء مثل محرك سيارة كبيرة .. وهناك ما بعد الوادي ، تتحرك قطع سوداء على الأرض المغطاة بالثلوج . إنها كتائب المشاة الألمانية تتقدم في تشكيلات متراصة … يبدون مثل سجادة رمادية كبيرة بُسطت فوق الأرض … كان هناك صفير فوق رؤوسنا . إنها أولى قذائفنا تسقط بالتمام وسط صفوف مشاة العدو … ويُمكننا ان نرى من خلال الزجاج بعض الرجال وقد اصيبوا بالجنون ، والبعض الآخر مغطى بالتراب والدم يسقطون فوق بعضهم البعض . وعندما دُمرت الموجة الأولى ، أصبحت الأرض مغطاة بالجثث ، ولكن الموجة الثانية كانت لا تزال تتقدم بإصرار. ومرة أخرى تُحدث قذائفنا ثغرات فظيعة في صفوفهم … ومن ثم بدأت مدفعيتنا الثقيلة تطلق حممها النارية بكل قوة . وتحول الوادي كله إلى بركان ، وانسد مخرج الوادي بفعل حاجز تشكل من تراكم أجساد القتلى ” .

8- ضابط آخر فرنسي ، الملازم هنري ديزانيو ، كتب يقول ” كنا ننتظر كالمخدرين وفي حالة ذهول كامل سقوط القذائف فوقنا لتقتلنا من دون أن ينبس أحدنا ببنت شفة ، والقلوب تخفق بشدة حتى تبلغ الحناجر … كان الموت يتربص بنا في كل مكان . وفي أسفل الخندق ، كان الجرحى يرقدون في بركة من الدم وهم يتأوهون من شدة الألم . كانت إصابة اثنين منهم أكثر خطورة ، كانا يحتضران . جندي آخر كان يقف وراء مربض مدفع رشاش أصيب بالعمى ، عين خرجت من محجرها والأخرى تمزقت ، وإضافة إلى ذلك فقد ساقه . والثاني ليس له وجه ، وإحدى زراعيه طارت ، كما أصيب أيضاً بجرح مروع  في المعدة . أحدهم توسل إلي قائلاً وهو يأن من ألم فظيع  ” أيها الملازم ، لا تدعني أموت “.

9- وادعى إريك فون فالكنهاين ، رئيس هيئة الأركان الألمانية العامة ، بعد الحرب أن هدفه لم يكن اختراق الخطوط الفرنسية في فردان ولكن قتل أكبر عدد ممكن من الجنود الفرنسيين ، و” جعل الجيش الفرنسي ينزف حتى الموت ” . ويعتقد العديد من المؤرخون الآن أنها كانت كذبة من قبل فون فالكنهاين لتبرير هزيمته . في الواقع كان هدفه اختراق الخطوط الفرنسية ، وزعزعة موقف الحلفاء قبل أن تدخل الحرب في الجبهة الغربية افواج جديدة من مجموعات الأصدقاء من جيش المتطوعين البريطاني الذي يشرف عليه الجنرال كيتشنر . ونجح الهجوم الألماني في الاستيلاء على عدد من المواقع لا يتجاوز عددها اصابع اليد ، وحقق تقدم لا يتجاوز 4 أميال . وتم ايقاف تقدم الألمان اعتباراً من شهر نيسان ، ليعاود من جديد التقدم أكثر من مرة ويتم من بعدها في كل مرة صدهم أيضاً قبل أن يتم في نهاية المطاف صدهم بشكل نهائي .

10- وفي بعض الأحيان ننسى أن معركتي فردان والسوم تتداخلان بين تموز وتشرين الثاني 1916. في ذلك الوقت كان الألمان أيضاً منهمكون بشكل كبير في صد هجوم روسي على الجبهة الشرقية . كان انجاز غير عادي ــــ ولكن مُكلف بشكل كبيرـــــ أن يقاتل الجيش الالماني في ثلاثة معارك كبرى في عام واحد . وبلغت خسائره في عام 1916 على الجبهة الغربية وحدها 700 ألف بين قتيل وجريح وأسير ، والبعض يقول أن العدد وصل 900 ألف ، وشكلت هذه الخسائر جزء من الحسابات المخيفة التي أدت في نهاية المطاف إلى هزيمة المانيا . ولكن حتى تلك الخسائر الرهيبة لم تكن كافية لإقناع الألمان بأنهم خسروا الحرب الأمر الذي تحقق بعد عامين آخرين من الابادة والتدخل الأمريكي . الأربعـاء 14 أيـار 2014 . ترجمة : محمد نجدة شهيد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنشر صحيفة الانديبندت منذ يوم 3 أيار سلسلة تقارير يومية تحت عنوان ” تاريخ الحرب العالمية الأولى في مئة لحظة ” تتضمن سرد شيق ومختصر لبعض أهم وقائع وأحداث الحرب . تضم السلسلة مئة حلقة موثقة ببعض  الصور . وحلقة اليوم عن معركة فردان التي تقع على نهر ميوز شمال فرنسا على بعد نحو 80 كم من الحدود الألمانية . وكانت ألمانيا قد غزت فرنسا خلال شهر آب 1914 واحتلت مساحات واسعة من البلاد من ضمنها  فردان والسوم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اكتب تعليقُا »

لا يوجد تعليقات.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..

%d مدونون معجبون بهذه: