Elghada's Blog

فبراير 24, 2013

الشريان الأبهر لدمشق.. طعم الموت العظيم

Filed under: اخبار يومية منوعة — elghada @ 7:30 ص

الشريان الأبهر لدمشق.. طعم الموت العظيم

51356بقلم نارام سرجون:‏

بعض الكلام الذي يقال في النوائب والمصائب يبدو ثقيلا وباردا مهما كان عذبا ودافئا.. ومهما كان فيه من الأسبرين والمهدئات والعقاقير.. ومهما كان بردا وسلاما فإنه يقع على الجرح كما لو كان ملحا..

وبعض الكلام الذي نقوله يملأ الصفحات ولكنه يقع من الدفاتر كما تقع الأوراق المتعبة الصفراء من الشجر في عواصف الخريف.. وكما تنفرط حبات العقود عندما تنقطع خيطانها.. فتتبعثر الكلمات كما تتبعثر خرزات العقد وحبات الياقوت الحمراء ولا نقدر على جمعها ونظمها إذا لم نمسك بالخيط ثانية..

في كل تفجير إرهابي ينفرط عقد الكلام الجميل وتتبعثر حبات اللؤلؤ والزمرد على الأرض.. وتقع أيقونات اللغة على التراب في كل مكان.. فماذا يقال للدم.. غير كلام من دم؟؟ وهل احمرار الياقوت يساوي احمرار الدم؟؟.

أحس أحيانا أن الكلام يمكن أن يتحول إلى قمامة وأنه يستحق أن نتعامل معه بالمكانس إذا لم يقل ما تريد قلوبنا بصدق أو إذا كان فقط صدى لما يريد الآخرون.. ولذلك فلن أقول صدى ما يريد الآخرون بل ما يريده قلبي.. وقلبي هو خيط العقد الذي سيحمل الياقوت الأحمر.. ياقوت الدم..

أما كلام القمامة فقد انفردت فيه لغة المعارضة وثورات الربيع طوال سنتين.. فبعد كل بيان واجتماع وتصريح وتفجير كنت أقوم بكناسة الكلام المتساقط من الشاشات المعارضة والثورية والذي تراكم على الأرض كشظايا البلور المحطم.. كناسة كلام المعارضة كان دوما عملا ضروريا واسعا.. لأن من يسير حافيا على كلام الثوار سينزف من عقله لا من قدميه وستنغرز شظايا الزجاج في عينيه.. فلا تتعبوا أنفسكم في قراءة تفجير دمشق وتفسيراته.. لأن رسائل التفجير وصلت إلى عناوينها دون أن تخطئ.. وقام بتسليمها سعاة بريد جبهة النصرة..

ففي تفجير دمشق انتقلت القطعان الثورية الهائجة إلى حالة فريدة وهي أنها لم تعد تعبأ بالرأي العام السوري ولا بخداعه كما دأبت طوال سنتين.. فقد طاف بها الكيل.. بل صارت تغامر غير مكترثة بالمجاهرة بالحيوانية والعنف.. ولم تعد حريصة على ادخار آخر ما لديها في ذخائرها الثورية من خطابات ظمئها للحرية والانعتاق.. نعم لقد قررت المعارضة التخلص من حالة الحرج والتمثيل التي امتهنتها طوال سنتين.. حيث كانت تقتل وتتهم النظام.. وتفجر الشوارع وتمسح أيديها المضرجة بالدم بجدران أجهزة الأمن السورية وتتهمها بأنها تريد إخافة الناس من الثورة السلمية وثورة الكرامة.. وتذبح الضحايا وتمسح سكاكينها باسم الرئيس وعائلته.. لكنها اليوم قررت الخروج من عباءة البراءة وصوف الخرفان الوديع وصمت الحملان دون وجل.. ولم تعد تعنيها آراء الناس ولا تعاطفهم معها ولا اقتناعهم بطهارتها لأسباب كثيرة سنمر عليها..

ومما يلفت النظر كثيرا هو أنه حتى المجلس الوطني والائتلاف قررا أن عملية خداع الناس لم تعد ضرورية خاصة بعد الأدلة الدامغة على أن ثورجيي الكرامة هم من ينسف الشوارع ويرسل الانتحاريين المجانين.. فتغطى الائتلاف بالأمس بإعلانه التقية بأول إدانة لتفجير إرهابي.. ولم يتأخر في الإدانة إلا سنتين فقط!!.. أي بعد خراب البصرة كما يقال.. لكنه في إعلانه هذا فإنه كان يقر بشكل غير مباشر ولأول مرة بأن الثورة هي من قامت بالتفجير لأنه لم يقم كما اعتاد باستعمال الأغطية والملاحف الكبيرة والشراشف في إخفاء الثورجيين عن مسرح الجريمة.. ولم يقم كعادته بمسح الدم عن سكاكين الثورة وأنيابها.. ولم يتبرع كما اعتاد بالتبرع بإرشاد الناس والسير في مقدمة العراضة إلى حيث القاتل من أجهزة الأمن السورية.. بل اكتفى ببراءة بإعلان الإدانة.. وهذا يعني أنه يريد أن يقول: “نعم ليست الدولة من يقوم بالتفجير.. بل نحن من يقوم بالتفجير”.. وفي أعماق هذا الاعتراف غير المباشر حاجة ماسة لإعلان المسؤولية.. وغاية الاعتراف هي الدفاع عن الموقف العسكري للثورة وهي تتعرض للقضم اليومي.. فترد بالتفجير لتقول:

إن من يعتقد أن هناك ضعفا في الثورة أو أنها واهنة فهو واهم..

ومن ينتظر سقوطها الوشيك فهو واهم..

ومن ينتظر قبولنا الحوار فهو واهم..

ومن ينتظر الحل السياسي فهو واهم لأن الحل هو عسكري.. وعسكري فقط..

كتبت المعارضة رسالتها على أوراق من أجساد السوريين وتركت الرسالة في بريد منطقة المزرعة على قارعة الطريق واختارت أهم نقطة التقاء لطرق في دمشق حيث يكاد كل سوري قد مر مرة واحدة على الأقل في حياته من تلك النقطة لأن تلك النقطة هي الطريق نحو جميع سورية.. فلا يوجد سوري مر في دمشق لم يدخل عبر تلك العقدة والطريق الشهير (شارع الثورة).. أو ما يسمى أبهر دمشق.. إن تلك النقطة هي الشريان الأبهر لدمشق ومنها تسافر ضخات الحياة نحو سورية كلها.

تقول الرسالة الثورية ما يلي ودون مواربة: هانحن في الشريان الأبهر.. فإما نحن وإما هو؟.. أي إما أن تقبلوا بنا بالقوة حكاما قادمين وإلا فسنرسل كل يوم رجلا آليا مبرمجا يسمونه (انتحاري).. يرسل أبناءكم إلى الموت.. سلّموا أيها السوريون.. فتسلموا..

في تكتيك التفجير يراد بث الرعب في نفوس السوريين فيقبلون بما لا يقبلون به.. رغما عن أنوفهم.. للوصول إلى معادلة جورج بوش الشهيرة: “من ليس معنا فهو ضدنا.. وغالبية السوريين ليست معنا.. فهم ضدنا.. ومن ضدنا يجب أن يموت”..

وفي هذه العقلية يكمن خطر مميت لأنها تضع نفسها لأول مرة في مواجهة الجميع علنا.. وتقرر بشكل مجنون استفزاز جميع الشرائح الشعبية حتى الرمادية منها.. وهي التي ستضع عنق المعارضة تحت حد المقصلة..

هذه الأوهام والقمامات الثورية هي ما يستدعي أن نحمل مكانسنا وننظف الطرقات منها ثم نرمي بها إلى الحاويات العفنة.. لا تسيروا فوق هذا الزجاج المهشم من الأوهام والحطام كيلا تصاب بالجراح عقولكم وعيونكم.. لأن رسالة القمامة الثورية تقول للسوريين بالحرف ما يلي:

1- لم نقدر على الأسد ولا على جيشه بعد سنتين من دعم الدنيا كلها لنا.. ونعترف أننا فعلا لا نقدر عليه.. ولن نقدر عليه وجها لوجه لا في ساعة الصفر ولا في البركان ولا في الملاحم.. وعليكم أن تعينونا عليه لأنه ثبت في مكانه بسببكم وخسرنا معركتنا بسببكم.. فكما نصرتموه وانتصر.. فإن عليكم أن تخذلوه كي ننتصر..

2- ومما تقوله الرسالة من تحت ركام الأوهام رسالة على نقيض مبدأ قديم يقول: اضرب الراعي تتشتت الأغنام.. ليصبح مبدأ الثوار هو (شتت الأغنام لتضرب الراعي).. إن ضرب العائلة يوجع راعيها.. لذلك فلنضرب الأسد حيث يتوجع.. اضربوه في أكثر نقطة توجعه وتجبره على الأنين.. أي اضربوا الأسد في “عائلته الدمشقية”.. وعائلته هم الشعب الذي رفعه ووضعه في قصر الرئاسة.. وهي الشعب الذي ملأ الساحات دعما لبرنامجه السياسي.. وضرب العائلة سيوجع كبيرها وراعيها.. اضرب الأبناء يتراجع الوالد.. اضربوا الإخوة.. يتقهقر الأخ المحارب ويبتعد عنا..

3- ومما تقوله الرسالة إن الضغط العسكري في الأرياف خانق على الثورة.. والثورة تريد أن تتنفس فالحذاء العسكري في فمها في الريف يضغط وهو يعصر رقبتها عصرا.. فتقرر المعارضة أن تضرب بذيلها في أي مكان مؤلم لتخفيف الضغط عنها.. وضرب المدنيين أشد إيلاما من ضرب العسكريين.. هذا الاستنتاج مبني على اعترافات ووثائق ألقي القبض عليها وفيها مراسلات واقتراحات سابقة من بعض صقور (الثورة) بأن تخفيف الضغط عن المقاتلين في الأرياف لن يتم إلا عبر الضغط على النظام عبر المدنيين.. وسيقوم طرف ثالث بتسليم رسالة تهديد للنظام بأن استمرار الضغط العسكري على عنق الثورة الريفي سيدفع ثمنه النظام في شوارع مدنه.. وهذا ما سيخلق حالة من النقمة لدى المدنيين من تردي الوضع الأمني إذا ما تتالت التفجيرات.. لأن الضغط الشعبي كفيل برفع حذاء الجيش عن أعناق الثورة..

4- هناك طرف لايزال يريد عصر المفاوضات بين الدولة السورية وخصومها الدوليين في المنطقة حتى آخر قطرة فكان تصريح العربي والإبراهيمي عن ضرورة استبعاد الرئيس الأسد من الحلول بعد شيوع أجواء انفراج وتلا هذه التصريحات مباشرة تفجير دمشق (الذي كان يتنبأ به البعض بعد تلك التصريحات التي بدت موطئة له) ليزيد من الوزن النوعي لتصريحات العربي والإبراهيمي..

*****

في التعامل مع العمليات الانتحارية لا توجد هناك بطولة لأنها هي بحد ذاتها من أسهل أنواع العمليات تنفيذا.. فهذه العمليات يمكن أن تنفذ كل يوم في كل مدينة في العالم.. فأنت لا تريد إلا حمقى يتصرفون كالروبوتات تتم برمجتها بعناية وفق برامج غسيل الدماغ.. وتحتاج إلى متفجرات يمكن لأي شخص صناعتها من مواد كيماوية.. لم تنج منها لندن ونيويورك وتل أبيب..

ولكن تعالوا نعرج على عباقرة الصهيونية عندما واجه الإسرائيليون سنوات الانتفاضة الفلسطينية وفوجئ الإسرائيليون بموجات من الاستشهاديين الفلسطينيين في مدنهم وشوارعهم لسنتين متتاليتين قتلت أربعة آلاف إسرائيلي.. فقرر الإسرائيليون الدخول في عملية سلام مع الفلسطينيين.. وعندما سئل رابين عن سبب قبوله للسلام بعد عناد ورفض قال: في الماضي كنا وعلى مدى عقود نخيف الفلسطيني بقتله.. لكننا اليوم أمام شخص يريد أن يموت.. فماذا يمكنني أن أفعل مع شخص لا يريد أن يعيش بل أن يموت.. هل أقتله؟؟ لذلك دخلت عملية السلام..

وتبيّن أن الإسرائيليين يراوغون ليكسبوا الوقت لأن رابين دخل عملية السلام مؤقتا ودوّخ الفلسطينيين بالمفاوضات ولم يعطهم أكثر من بلدية رام الله.. لكن في نفس الوقت كان الساسة الإسرائيليون يقومون بعملية دراسة واسعة للعقل الجهادي ويقومون بعمليات اختراق كثيفة أفقية وعمودية لجسم حماس من القاعدة حتى رأس الهرم.. فتم فهم سيكولوجيا العقل الجهادي.. واستعان الإسرائيليون بالعقل الوهابي لتدمير العقل الجهادي.. فكانت عمليات نيويورك تقريبا هي بداية نهاية موجات الانتحاريين الفلسطينيين.. وكأن من صمّم عمليات 11 أيلول أراد منها إحراج العمل الاستشهادي بأن حوّله إلى فعل جريمة وحشية حيوانية.. ومنذ ذلك التاريخ خرجت العمليات الاستشهادية من شوارع إسرائيل نهائيا وتنقلت في شوارع العالم لتستقر في شوارع بغداد والعراق.. وأخيراً لتحط في دمشق حيث ترقد دجاجة القاعدة على بيوض جبهة النصرة لتفقس تلك الثعابين.. في عش المعارضة السورية.. عش الحرية والديمقراطية..

فهل يقدر الإسرائيليون على شيء لا نقدر عليه؟؟؟ ما نعرفه حتى هذه اللحظة هو أننا نمسك بلجام المشكلة وأننا على ظهر الدابة.. وعلينا أن نشد اللجام.. حتى تتألم الدواب!!..

هذه الأيام القاسيات ستمر.. شاءت المعارضة أم لم تشأ.. شاءت إسرائيل أم لم تشأ.. شاءت تركيا والعرب أم لم يشاؤوا.. ونحن سنقبل التحدي.. وفي كل تفجير حقير نعرف أننا كنا على صواب في احتقارنا لهذه الثورة ولهؤلاء الثوار ولهذه المعارضة.. ونعرف أننا كنا على صواب في اختيارنا الوطني وفي رفضنا القطعي لمعارضة تقتل وتسرق وتبيع الوطن..

وستغادر التفجيرات شوارعنا.. وسنسير في شوارعك يا دمشق ولن نوقف دفق الحياة في شرايينها وشريانها الأبهر.. لأن أجمل الموت هو أن يكون في دمشق وفي شرايينها وأوردتها.. ولأن أقوى الجذور هي التي تصنعها الشرايين في سفرها العميق في تراب الوطن.. وليس صحيحا أن طعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم.. فإذا كنا نموت فلنمت في دمشق.. حيث طعم الموت العظيم.. من أجلك يا دمشق.. من أجلك يا دمشق.

Advertisements

اكتب تعليقُا »

لا توجد تعليقات حتى الأن.

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: